الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
196
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والمراد بالتكلم بلوغ مراد اللّه إلى النبي سواء كان ذلك البلوغ بكلام يسمعه ولا يرى مصدره أو بكلام يبلغه إليه الملك عن اللّه تعالى ، أو بعلم يلقى في نفس النبي يوقن بأنه مراد اللّه بعلم ضروري يجعله اللّه في نفسه . وإطلاق الكلام على هذه الثلاثة الأنواع : بعضه حقيقة مثل ما يسمعه النبي كما سمع موسى ، وبعضه مجاز قريب من الحقيقة وهو ما يبلغه إلى النبي فإنه رسالة بكلام ، وبعضه مجاز محض وهو ما يلقى في قلب النبي مع العلم ، فإطلاق فعل يُكَلِّمَهُ على جميعها من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه على طريقة استعمال المشترك في معانيه . وإسناد فعل يُكَلِّمَهُ إلى اللّه إسناد مجازي عقلي . وبهذا الاعتبار صار استثناء الكلام الموصوف بأنه وحي استثناء متصلا . وأصل الوحي : الإشارة الخفيّة ، ومنه فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [ مريم : 11 ] . ويطلق على ما يجده المرء في نفسه دفعة كحصول معنى الكلام في نفس السامع قال عبيد بن الأبرص : وأوحى إليّ اللّه أن قد تآمروا * بإبل أبي أوفى فقمت على رجل وهذا الإطلاق هو المراد هنا بقرينة المقابلة بالنوعين الآخرين . ومن هنا أطلق الوحي على ما فطر اللّه عليه الحيوان من الإلهام المتقن الدقيق كقوله : وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [ النحل : 68 ] . فالوحي بهذا المعنى نوع من أنواع إلقاء كلام اللّه إلى الأنبياء وهو النوع الأول في العدّ ، فأطلق الوحي على الكلام الذي يسمعه النبي بكيفية غير معتادة وهذا الإطلاق من مصطلح القرآن وهو الغالب في إطلاقات الكتاب والسنة ومنه قول زيد بن ثابت « فعلمت أنه يوحى إليه ثم سرّي عنه » فقرأ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ [ النساء : 95 ] ، ولم يقل فنزل إليه جبريل . والوحي بهذا المعنى غير الوحي الذي سيجيء في قوله : أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ . والمراد بالوحي هنا : إيقاع مراد اللّه في نفس النبي يحصل له به العلم بأنه من عند اللّه فهو حجة للنبي لمكان العلم الضروري ، وحجة للأمة لمكان العصمة من وسوسة الشيطان ، وقد يحصل لغير الأنبياء ولكنه غير مطرد ولا منضبط مع أنه واقع وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدّثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فعمر بن الخطاب » قال ابن وهب : محدّثون : ملهمون .